غزة ـ «القدس العربي»: تبحر سفن الصمود محمّلة بالدواء والغذاء والأمل نحو غزة بعد أن اتخذت من ميناء تونس نقطة انطلاقها لتكمل مسيرتها القادمة من الجزائر، ليبيا، إيطاليا، وإسبانيا. لم تكن هذه الرحلة مجرد عبور للمياه، بل كانت لوحة إنسانية كبيرة رسمتها وجوه مختلفة جمعتها لغة واحدة هي لغة التضامن مع غزة التي ما زالت تقاوم الحرب. وهنا في غزة نتابع أخبار الأسطول لحظة بلحظة ونعيش تفاصيله وننتظر وصوله كما ينتظر الجريح دواءه والجائع رغيفه. نراه رسالة إنسانية وصوتا للكرامة ودليلا على أن غزة ليست وحدها.
ومن هنا من غزة، تحدثنا مع بعض فريق الأسطول، فكانت هذه الشهادات.
نداء البحر
يوسف عجيسة، نائب ورئيس الوفد الجزائري في «المبادرة الجزائرية لنصرة فلسطين وإغاثة غزة».
كان البحر ينتظرنا منذ الرابع من أيلول / سبتمبر، لكن ظروفا تقنية دفعتنا لتأجيل الرحلة حتى العاشر من الشهر. ومن عرض الموج ستلتحق بنا سفن أخرى من ليبيا وإيطاليا ودول متفرقة، ثم ننطلق من ميناء تونس، حتى يبدو البحر كأنه جسد واحد يحمل على ظهره قلوبا متجهة إلى غزة. لم تكن التحضيرات مجرد عمل لوجستي، بل كانت ملحمة يومية. كنا نشتري السفن ونجري إصلاحاتها كأننا نعيد لها الحياة، نجهّز الدواء والخبز ونرتب المواد الطبية كأننا نلملم أنفاس الناس قبل أن تنقطع، وندعو الشخصيات الاعتبارية والمؤثرين، ونطرق أبواب الهيئات الرسمية ومكاتب المحاماة في سباق مع الزمن.
أصعب اللحظات كانت حين فتحنا رابط التسجيل فجاءتنا آلاف الطلبات من كل مكان. شعرنا أن العالم كله يريد أن يركب معنا، أن يبحر في قلب هذا الأمل. لكننا كنا مجبرين على الاختيار، وكان الاختيار مسؤولية ثقيلة، كأننا نحمل أرواحا على أكتافنا.
ولسنا غرباء عن البحر، فقد عرفنا موجة في سفن» مرمرة وحنظلة ومادلين». لكن الحلم بقي واحدا: كسر الحصار عن غزة، فالأسطول عندنا ليس إلا وسيلة، أما الغاية فهي أن نفتح ثغرة في جدار الظلم، أن نعيد قليلا من الهواء إلى صدر مدينة تختنق. والغريب أن الرسائل لا تصل منّا إليهم، بل منهم إلينا.
أهل غزة يكتبون لنا: تعالوا، شاركونا أرضنا وبيوتنا وطعامنا على قِلّته. ونحن نقول لهم: إن شعوبا من إسبانيا واليونان وإيطاليا، لا يجمعها بغزة دين ولا لغة ولا أرض، قد أبحرت لتقول: لا للظلم، لكن الحقيقة أنهم هم من يمدوننا بالقوة، بصبرهم وإصرارهم.
الروح بين المشاركين عالية كالموج في يوم عاصف، عربا وأجانب، كأن البحر صَهَرَنا في بوتقة واحدة. كل واحد منا يشعر أنه يبحر بدمه قبل جسده. هذه التجربة لا تترك في النفس مجرد ذكرى، بل أثرا غائرا يشبه ندبة كرامة. وندرك أن الخطر يحيط بنا من كل جانب، أقل ما ننتظره هو الاعتقال، وأقصاه القتل. وقد جاء التهديد صريحا على لسان وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر: السجن طويل، طويل بما يكفي ليكسر العزائم، لكنهم ينسون أن العزيمة لا تُكسر.
أملنا أن تصل مساعداتنا إلى غزة، أن نخفف عن أطفالها ونسائها ورجالها، وأن لا يضطروا بعد اليوم إلى اللجوء إلى مساعدات الموت التي صنعتها أمريكا. وأملنا أن ترافقنا الصحافة، أن تكتب للعالم شهادة حيّة على بشاعة الاحتلال وظلمه.
ورسالتنا الأخيرة، لكنها صرخة في وجه الجميع: للشعوب العربية نقول ارفعوا عنكم الهوان، لأن غزة ليست مدينة عادية، إنها آخر حصن للكرامة، وإذا سقطت مقاومتها قامت إسرائيل الكبرى من النهر إلى النهر.
شراع الكرامة
عدلان قارة، رئيس «مؤسسة رساليون لتمكين الشباب» ورئيس «أكاديمية المعارف المقدسية»
لم تكن هذه المشاركة وليدة اللحظة، فالذكرى الأولى لمحاولتي الوصول إلى غزة عبر أسطول الحرية من إسطنبول، ثم الحراك العالمي نحو رفح، ما زالت محفورة في الروح كأمواج تتلاطم بلا نهاية. حين أتيحت الفرصة عبر الأسطول العالمي من خلال المبادرة الجزائرية، شعرت أن البحر يناديني مجددا، وأن غزة تنتظرنا بصبر طويل، وأن هذه القضية تتربع على عرش الأولويات كما تتربع الشمس على أفق الصباح.
لم تكن التحضيرات كثيرة بالمعنى التقليدي، فالمهمة تفرض على الإنسان أن يكون جاهزا في أي لحظة، كأن قلبه سفينة تتحرك قبل جسده. فكتبت وصيتي وسجلتها في مكان يصل إليه أهلي إذا كان البحر آخر محطة لي، وأعطيت زوجتي أمر تجهيز أمتعة بسيطة قبل نصف ساعة من الانطلاق، ودّعتُ الأهل، وانطلقت نحو تونس حيث أكملنا استعداداتنا التدريبية واللوجستية، كأننا نعيد ترتيب العالم قبل الرحيل.
على متن السفينة، شعور الأمل المتوقد احتل قلبي، شعور الإقدام على مغامرة محفوفة بالمخاطر، شعور يجعل الإنسان يتساءل: هل هو مستعد حقا لهذه المهمة، أم أن الروح في حاجة إلى مزيد من التسليح الداخلي؟
أمال إسعادي, [12/09/2025 00:14]
فعلى متن الأسطول، تتشابك اللغات والثقافات: عرب وأوروبيون، مسلمون ومسيحيون، جميعهم مُتحدون حول هدف واحد: رفض الحصار والإبادة، حماية أكثر من مليونين ونصف مليون إنسان من الأطفال والنساء والشيوخ، من الجوع والقتل.
وعند الاقتراب من شواطئ غزة نعلم أن كل الاحتمالات واردة: الوصول، الاحتجاز، العقاب، أو القصف. لكن الأمل أكبر والإصرار أقوى. ما يهمنا أن نوقظ الضمائر ونضع الحكومات أمام مسؤولياتها الإنسانية والقانونية. أكثر اللحظات انتظارا بالنسبة لي أن أرى الأطفال، أن أحضن الأيتام، وأن نضع في أيديهم الدواء والغذاء كأننا نزرع بذور حياة في قلب معاناة مستمرة.
أما العالم، فأمَلي أن يحمي ظهر الأسطول بالضغط الحقوقي والتحرك الشعبي، وأن تتحرك الحكومات بمسؤولية. كل خطوة لنا رسالة، كل موجة نقطعها صرخة في وجه الظلم، وكل قطرة ماء نحملها رسالة أمل.
وعن الأثر المرجو للرحلة بعد الوصول، فهو أن تصل رسالة واضحة للعالم: إذا تحركنا جميعا تتسع الحركة، تتضاعف الأساطيل، ويعود الأمل للشعوب بأن دعمها قادر على الوصول إلى غزة، فيُقبلون على دعم أكبر يسد احتياجات القطاع.
أما رسالتي الأخيرة قبل الوصول فهي لأهل غزة: اشعروا بالأمل أننا سنصل إليكم قريبا، وحتى لو لم يكن في هذه المرة، سنعود مرة أخرى ما دُمنا أحياء، فقلوبنا معكم كما الأمواج التي لا تهدأ.
رحلة الموج
عبد الباري بوزنادة، عضو اللجنة القانونية في مجلس الأمة الجزائري:
لم تكن مشاركتي وليدة اللحظة، فقد كنت من قبل في قافلة الصمود من المغرب العربي، تلك التي توقفت عند شرق ليبيا، فظلت في القلب غصة وفي الروح وعد مؤجل. لذلك، حين فُتحت أمامنا بوابة أسطول الصمود العالمي، لم أتردد لحظة.
شعرت أن البحر يناديني من جديد، وأن غزة ما زالت تنتظرنا، وأن هذه القضية أحق بأن تتربع على عرش الأولويات.
لم تكن تحضيراتنا كثيرة بالمعنى التقليدي. كنا نتابع أخبار الناشطين وأحرار العالم، نحصي خطواتهم ونتابع مسيراتهم، نترقب ساعة الانخراط. وعندما حانت، تركنا الأعمال والمكاتب والأبناء كأننا نترك الدنيا كلها وراءنا، وركبنا البحر بقلوب تسابق أقدامنا.
فالأسطول الذي نمخر به البحر ليس مجرد سفن، بل فسيفساء إنسانية نادرة: فيه العربي والأوروبي، المسلم والمسيحي، من يتكلم بلسانك ومن يختلف عنك، لكن الهدف واحد: كسر الحصار ورفض الإبادة ومواجهة التجويع المفروض على أكثر من مليونين ونصف مليون إنسان جلهم من الأطفال والنساء والشيوخ. كان اندماجنا سريعا كأن البحر جمعنا في صدر واحد.
ونحن نعلم أن الاقتراب من شواطئ غزة يعني الاصطدام بجدار الاحتلال، وربما المنع، وربما السجن، وربما ما هو أبعد. لكن أملنا أكبر وإصرارنا أقوى. ما يهمنا أن نوقظ الضمائر، أن نفتح الطريق لأحرار العالم ليلتحقوا، وأن نضع الحكومات أمام مسؤولياتها التي يفرضها القانون الدولي والإنسانية قبل أي شيء.
نريد أن يكون وصولنا تخفيفا عن شعب يئن، أن تفتح المعابر لمرور المساعدات، أن تدخل الأدوية والقمح، أن تجد هيئات الإغاثة مكانها الطبيعي في حضن من يعانون الجوع والمرض.
ورسائلنا قبل الوصول واضحة: إلى أحرار العالم نقول واصلوا مساندتكم، كثّفوا جهدكم، اجعلوا صوتكم أعلى من صوت الرصاص.
وإلى شعوب العالم التي تراقب من بعيد نقول: لا تكونوا صامتين على مشاهد الإبادة والدمار. أما رسالتي الأخيرة فهي إلى غزة، إلى تاج الكرامة، إلى مدرسة الصبر: نشد على أيديكم، نُكبر ثباتكم، ونعترف بتقصيرنا أمام عظمتكم. أنتم الذين تعطوننا العزم، أنتم الذين تجعلون البحر نفسه يسير إلينا. وإن كان لنا شرف أن نصل إليكم، فسيكون أعظم وسام نحمله في حياتنا.
عندما يهدأ البحر..
ونحن أيضا نقول:عندما يهدأ البحر بعد العاصفة، وعندما تتلاشى الأمواج في الأفق، يبقى الأثر في القلوب لا يُمحى. لقد كانت هذه الرحلة أكثر من مجرد عبور للمياه، كانت رحلة إرادة وعزيمة، وشهادة على أن الإنسانية ما زالت حية في كل من يؤمن بالعدل والكرامة. فالسفن قد تعود إلى الموانئ، لكن الرسالة تظل حية، تتردد بين الأمواج والرياح، وتصل إلى من يحتاج إليها في غزة وفي كل مكان يُحاصر فيه الحق ويُقهر فيه الإنسان. وفي النهاية، تبقى غزة رمزا للصمود، وكل خطوة نحوها هي رسالة للعالم، وكل جهد مبذول فيها دليل على أن الحرية لا تُنتزع بالسكون، وأن الدعم الحقيقي هو الذي يبحر بلا حدود، بلا خوف، بلا انتظار، نحو من يرفع صوته بصبر وصمود لا ينكسر. وهكذا تبقى الأمواج شاهدة على عزيمة كل من شارك، وعلى وعد لا يموت بأن الأمل سيصل مهما كانت العواصف ومهما طال الانتظار.
غزة ـ «القدس العربي»



